بقلم ذ محمد أسامة الفتاوي.
في زحمة المنابر تفقدُ العُقولُ الحكمة ، تتكدّسُ على البياض النّقطُ السّوداء ، تتوالدُ ، تنتشر فيتحوّلُ البياض سديما موحشا ، تماما كما الزّمن ، كلّما انقضى النّهار يكاد ُالضّوء يموتُ في عمق المجرّة لولا تلك النّبضات ، نجوم تهوّنُ لون الدّجى وتقولُ إنّ الحياة رغم سوادها أحيانا لا تفقدُ جدّيتها والوضوح.
*حرِّرْ عقلك يا صاحبي قبل أن ترتمي في لجّة البهتان*.
تلك حياة المجرّة ، أمّا المنابر النّابحة فقاتمة على الدّوام ، لا تسمعُ فيها غير صوت الرّعود المدوّية ، المهدّدة ، نذير زوبعة أو إعصار ترتجفُ لهما القلوب رعبا. تلك الأصوات الهادرة ضجيج دون هوادة ، جعجعة على مشارف الحقيقة تلبسُها النّوايا المبيَّتة وكلّ يدّعي الصّدق وطهر الباطن ، يتباكى على أطلال الحضارة ويلبسُ قناع الجدّ حرصا على إفهام العامّة وتنوير العقول . سيلُ كلام ، قسمات وجوه والصوت يجب أن يكون الأعلى لكسب الرّهان لكنّ الطّريف أنّ الحوا يَشرحُ ما لا يُشرَح إذ العامّة أجلّ مَنْ يفهمُ الواقع لأنّها تعيشه ، ولا يُنبئك عن الأشياء مثل خبير.
تلك العقول المدّعية للحكمة ، المتحفّزة للقيادة ، مكبّلة بطبعها إذْ كلّ ما يصدر عنها قرين المخطّطات ولا خير في نيّة مَنْ لا يفكّر في غيره أو يلبس جبّة الجماعة وهو منها عراء. أصوات تهتفُ ، قبضات تضربُ على هام المنابر وهي المسكينة تشكو الضّيم وقد ملّت من المهاترات تركبها صبحا مساء. قوم يفسّرون الماء بالماء أو يبيعون الرّيح للهاوية ، نفسيّات نهمة ديدنها الجشع ، تأكل كلّ شيء وتبيع أيّ شيء . زمن حاد عن مسار الحقّ فصُودرت فيه الأحلام أو كادت والادّعاء صلح وإصلاح.
وحده المنبر ظلّ صامدا ، هو الشاهد الوحيد على ما يُحاك بليل لكنّه في حيرة من أمره . هو الآخر يحلمُ بأن ينفلت من قمقم الجماد ، أن يكسر أسطورة الصّمت المميتة فيصرخ بعلو حسّه، أنا وحدي القادر على الفصل ، وحدي أملك حقيقة الصّدق والمخاتلة ومن هنا أقول : كفى هذرا وأنصتْ جيّدا أيّها الإنسان ، نصيحة جماد لحيّ علّك تستردّ ما ضاع عبر المتاهة ،