رهان الخبرة الجنسية عند الرجال، ميزة في الشريكة المثالية…

إن التناقض الصارخ، الكامن في تحميل التحرش الجنسي شحنة إيجابية، و الذي يعتبر في الأصل تجاوزا للمعايير الاجتماعية ـ فهو جنحة حسب قانون العقوباتـ ، يمكن لنا أن نرجعه إلى ثلاثة عوامل :العامل الأوّل هو جهل هؤلاء المتحرشين أو ربّماتجاهلهم للتعريف القانوني للتحرّش الجنسي؛
العامل الثاني هو ضعف المتابعة الجزائية ضد ممارسي التحرش الجنسي على الغير، رجلا كان أم امرأة، فالظاهر أنّ الإجراءات المتبَعة لا تبدو صارمة ومعروفةكتلك المتّعلقة بالاغتصاب مثلا؛
العامل الثالث يكمن في أن الكثير من المتحرشين ينفون الخطورة تماما في تصنيفهم للتحرّش الجنسي ويعطونه مرادفا مغايرا، فبدلا من العنف في أشكاله المتعدّدة، يعطونه معنى المغازلة والتودد إلى الآخر، الذي غالبا ما يكون امرأة.
يبدو أنّ قيام الرجل بمغازلة المرأة والتوّدد إليها لم يعد ممارسة سلبية في المجتمع المغربي اليوم، أو على الأقل ممارسة يحرص الفاعلون فيها على أن تتّم بصورة خفية، بل أضحت من المشاهد المتكرّرة في الفضاء العام مثلما سبقت الإشارة إليه. وأكثر من ذلك فإن إسقاط الخطورة تماما عن التحرّش الجنسي لا تقف عند هذا المستوى، بل تستمر إلى أن يصبح فرصة لمشروع ارتباط جاد إذ كثيرة هي تجارب الزواج التي قد تنطلق من وضعية تحرش جنسي، أو ما قد يوحي إليه المشاركون بأنّه مغازلة وتوّدد إلى الغير.
هذه الممارسات دفعتني لطرح الأسئلة التالية :
عمّ يبحث ’’المغازلون’’؟ نتصّور أنّهم في عملية بحث متواصلة عن الشريك المثالي، لكن كيف يتصّورون هذا الأخير؟ ما هي الخصائص التي يشترطونها فيه؟ هل تقوم على الجمال فقط؟ و كيف تتموقع الخصائص المتعلّقة بالجنسانية؟ كيف يتم التعامل معها من حيث الأهمية؟ كيف تتعامل النساء مع خصائص الشريك المثالي وكيف يتعامل الرجال مع خصائص الشريكة المثالية؟ هل يراد بالشريك المثالي الزوج أم أنّ هناك اختلافا بينهما؟
سأحاول الإجابة عن هذه الأسئلة من خلال تطرّقي إلى التمثلات حول الشريك المثالي لدى مجموعة من الشباب بمراكش، و ذلك من خلال التركيز على المفاهيم التالية : الجنسانية، الجسد، الواقع، المخيال، الرقابة الاجتماعية و التمثّلات الاجتماعية.
>>>حمل أغلبية الأفراد مجموعة من التمّثلات حول الشريك المثالي، فيضعون له مجموعة من الخصائص قد تكون شائعة وقد تكون محددة. الأمر الذي يجعل هذا الشريك المثالي مرتبطا بالمخيال الاجتماعي وتحديدا بما يعرف بالفانتازم (fantasme) من جهة، والواقع الاجتماعي من جهة أخرى. و نظرا لأهمية هذه الخصائص في تحديد كيفية و نوعية و عدد العلاقات التي يربطها الفرد، رجلا كان أم امرأة، بالشريك المثالي، والتي تفسّر حالات التحرّش الجنسي الممارسة في الفضاء العام بكونها عمليات بحث متكرّرة ومتواصلة عن هذا الشريك، فإنّني أريد معرفة الخصائص التي يطلبها الأفراد في الشريك المثالي، وسأرّكز بوجه خاص على الخصائص المتعّلقة بالجنسانية وبالجسد، باعتبارهما من المفاهيم الأساسية المعتمدة في هذا العمل البحثي.
ضمن مقاربة التحليل النفسي،لدى بعض الشباب نساء ورجال من الفئة العمرية بين 22 الى 40 سنة المستوى الدراسي بين الثانوي والجامعي الوضعية الاجتماعية بين غير مرتبطات مطلقات ومتزجين، طالبات طلاب عاملات عمال وموظفات وموظفين، في حوار خاص خلص أن عملية الاختيار تتطلب أخذ كل الوقت اللازم مما يتيح مستقبلا تكوين ثنائي، و تطرح أربع غايات يقوم عليها اختيار الشريك : أولا بهدف الانفصال عن الأبوين، وثانيا تأسيس عائلة، وثالثا مواجهة الجنسانية، وأخيرا إنقاذ الذات عن طريق إنقاذ الآخر.
الإناث
عندما تتحدّث المشاركات في الحوار عن الشريك المثالي تضعن مجموعة من الميزات في شكل ترتيب وجب احترامه لأنّه يحدّد في نظرهن الفرق بين المهّم والأهّم ضمن تلك الميزات.
>>> تعدّ الوضعية “المادية الجيّدة” أوّل و أهمّ ميزة تحرص المشاركات على توفرها في الشريك المثالي، إذ أجمعت سبعة مشاركات من أصل عشرة، أنّهن يفضّلن الرجال الذين ينشطون لحسابهم الخاص، عوضاً عن الأجراء و عن أولئك المتواجدين في طور الدراسة و التكوين. و جعلت المشاركات التّجار أكثر المرّشحين لأن يكونوا الشريك المثالي، بمعنى أنّهن يربطن بين ميزة الوضعية المادية الجيّدة للشريك المثالي وبين تمتعهّن بوضعية أحسن من تلك التي يتواجدن فيها أصلا، و ذلك بحصولهن على هدايا، و زيارتهن لأماكن جديدة وغيرها.
يمكن لنا القول، انطلاقا من تصريحات المشاركات العشر دائما، أنّ الأجراء لا يدخلون ضمن احتمالات الشريك المثالي، على الأقل بالنسبة لأغلبية منهنّ و معظمهن طالبات جامعيات.
>>> و الميزة الثانية للشريك المثالي التي تشير إليها المشاركات العشرة هي الشباب، إذ فَصَلْنَ في المسألة بصريح العبارة مُعْرِبَاتٍ عن كونهن لا يتصّورن أن يكون الشريك المثالي متقدّما نسبيا في السن.ومعإصرارهن على الوضعية المادية الجيدة إلاّ أنّهنّ غالبا ما يربطنها بالرجل الشاب.
يعود تفضيلهن للرجل الشاب كشريك مثالي إلى عاملين :العامل الأوّل هو أنّ المشاركات ينتمين إلى فئة الشباب، فأغلبهن أقل من 32سنة، و بالتالي فمن المتوّقع أن تبحثن عن الشريك المثالي في الرجال الذين ينتمون أو يقتربون من الفئات العمرية التي ينتمين إليها، خاصة وأنّ معظمهن طالبات جامعيات يتعاملن باستمرار مع مجموعة من الرجال الشباب. و أماّ العامل الثاني فيعكس طموحاتهن في أن يكون الشريك المثالي طرفا في مشروع ارتباط جاد، فهنّ في الغالب و إن يتصّورن علاقتهن بالشريك المثالي عابرة فإنهن لا يتجاهلن فكرة الاستثمارفيها وتحويلها من عابرة إلى مشروع ارتباط جاد.
>>> الميزة الثالثة التي تطمح المشاركات معنا إلى توّفرها في الشريك المثالي في الجمال، و ترّكزالمتحدّثات على جمال المظهر عموما دونما حديث عن خصائص دقيقة لجسد الشريك المثالي أو تفاصيل دقيقة متعلّقة بتقاسيم وجهه. نشير في هذا السياق إلى ملاحظة أثارت انتباهناحيث أجمعت المشاركات العشر على أنّ ما يقصدنه بالجمال ليس صورة واضحة و راسخة في أذهانهن، و إنّما المقصود بالجمال هو أن يكون المظهر العام للشريك المثالي مقبولا من قبل الآخرين أي ألاّ يكون فيه عيب يثيرالانتباه.نجد الخصائص التي تضعها المستجوبات هنا مختلفة نسبيا عن تلك التي وردت في دراسة أجرتها” ليليان داليغان” حيث ورد فيها أنّ اختيار الشريك يبنى انطلاقا من الانطباع الأولي على أساس القواسم المشتركة بين الطرفين و ليس على أساس القواسم التكميلية بينهما،فتتحدّث المشاركات في هذا العمل عن “… ضخم و قوي…” و أحيانا “…إنه لبق في كلامه…” بينما قلما ترد عبارات مثل “…إنه يحبّني بجنون…”، “… إنه ذكي…”.
الوفاء ميزة تحدّثت عنها المشاركات مطوّلا، إذ كان فرصة لسرد تجاربهن السابقة مع شركاء تخلّوا عنهن. نلاحظ جيّدا أنّه رغم أهمية ميزة الوفاء في التجارب السابقة حسب خطابات معظم المتحدثات، إلا أنّهن أجمعنعلى وضعها في آخر قائمة الميزات المتعلقة بالشريك المثالي. و يمكن تبرير ذلك في نظرنا بوضعيتين اثنتين : الأولى هي أنّ المشاركات تتعّمدن وضع ميزة الوفاء في آخر الميزات المطلوبة في الشريك المثالي لأنهن يدركن أنّه لوتّم وضعها على رأس القائمة فإنّهن لن يتواصلن مع الشريك المثالي مطلقا. وأماّ الوضعية الثانية فهي أنّ أغلبية العلاقات اللائي دخلنها أو سيدخلنها مستقبلا، يُرّجّح أن تصطدم بالوفاء. فهذا الأخير هو ميزة مبحوث عنها من قبل المشاركات، و هو في الوقت ذاته شبه مفقود- حسب تصريحاتهن دائما- لدى الرجال و الشباب ذوي الوضعيات المادية الجيّدة بالخصوص. و عليه يتحوّل الوفاء من ميزة إلى عائق لدى الشريك المثالي، و هذا ما جعل، ربما، المشاركات يضعنه في آخر القائمة.
ومقارنة بتمثلات المشاركات العشرة حول الشريك المثالي، نجد أنّهن تبلورن تمثلات مختلفة تماما حول الزوج حيث تحتفظن ببعض الميزات التي تأملن توّفرها في الشريك المثالي لكنّهن تعرضنها في ترتيب آخر مختلف. ينتقل الوفاء مثلا من آخرميزات الشريك المثالي إلى أولى ميزات الزوج، فوضعه في هذه المرتبة يوحي بأهميته الكبيرة ضمن علاقة الزواج.
لقد أُسّست علاقة الزواج في نظرهنّ لتكون مستمرة أطول فترة ممكنة، و لبلوغ ذلك، فإنّ المشاركات يرّكزن على ميزة الوفاء، ففي مناخ زوجي يغيب فيه الوفاء يمكن للنزاع أن يحتل حيّزا كبيرا، و من ثمّ تتضاعف احتمالات فشل العلاقة مع الزوج، و بالتالي يمكننا أن نفهم انطلاقا من تصريحات المشاركات أنّه من لا تتوفرفيه ميزة الوفاء لا ينجح في علاقته كزوج.
أشارت المبحوثات إلى ميزة ثانية في الزوج مقارنة مع الشريك المثالي و هي ميزة التقوى الدينية. لقد رّكزت المشاركات عليها كثيرا و جعلنها في نفس المرتبة تقريبا مع ميزة الوفاء، و أكدّت معظمهن أنّ الزوج إذا ما توّفرت فيه ميزة التقوى فإنه حتى و إن اختلفن معه فإن التقوى تمنعه من إيذائهن و لو رمزيا، و أثار انتباهنا ترديدهن لآية في القرآن أو إشارة إلى معناها وهي الآية :”فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان”. إنّ التركيز على التقوى في الزوج يوحي بأنّ المشاركات يتوّقعن أن علاقتهن به قد تصادفها عقبات و مشاكل، ولا تجدن ما يتناسب لحل تلك المشاكل أو تذليلها أو التقليل من تأثيرها سوى تقوى الزوج. و المعنى الذي حمّلته المشاركات للزوج التقّي هو معنى الزوج الذي يخاف الخالق فلا يُقْدِمْ على إيذائهن بأي شكل من الأشكال.
لم تشر المستجوبات إلى العمل المستقر كميزة حينما تحدثن عن الشريك المثالي، بل على العكس تماما، يمكن لنا القول أنّهن رّكزن عليه كميزة مناقضة، حيث تحدّثن عن الوضعية المادية الجيدة بصراحة، و أقصَيْن الوضعية المادية القائمة على الأجرة بشكل ضمني، وهو ما سبقت الإشارة إليه، عند التطرق إلى تفضيلهن للتجّارمقارنة بالأجراء.
نطلاقا ممّا وَرَدَ، نلاحظ أنّ المشاركات يُقدّمن ميزات متشابهة إلى حد ما بين الشريك المثالي و الزوج، ويعود ذلك في نظرنا إلى عاملين : الأوّل هو أنّ المشاركات يضعن احتمالا بأن يتحوّل الشريك المثالي إلى زوج، و هذا ما ورد بشكل متكرر خلال رّدهن حول إمكانية الزواج من الشريك المثالي. إذنيمكن للشريك المثالي و الزوج أن يلتقيا في لحظة معيّنة فيتداخل الدوران. بمعنى أنه يمكن للشريك المثالي أن يكون زوجا، كما يمكن للزوج أن يكون شريكا مثاليا و هو يمارس دوره كزوج.
بالنسبة للذكور
لم أجد في مقابلاتي مع المشاركين الذكور علاقة الارتباط بين الشريك المثالي و بين الزوج كما تمت بلورتها من طرف المشاركات، إذ وضعوا للشريكة المثالية ميزات تتعلق” بالجسد و الجمال و أخيرا الخبرة الجنسية” .
و أمّا بخصوص الميزات التي يرونها في الزوجة، فهي “الجسد، الجمال والعمل ، بمعنى أن يكون لها منصب عمل مستقر، مع تسجيل تذبذب في مواقفهم من العائلة التي تنتسب إليها. فهناك من يراها ميزة وهناك من يطمح إليها، و لكنّ غيابها لا يعني بالضرورة كونها سببا مباشرا في عدم ترجيح هذه المرأة إلى مشروع زواج. نسجّل بوضوح تراجع اللّجوء إلى المرجعية الدينية في اختيار الزوجة، إذ لم يستند المستجوَبون إلى ما يطرحه الدين في هذه المسألة، أو ما يمكن اختزاله في الحديث النبوي التالي : “تُنْكَحُ الْمَرْأَة ُلأرْبَعٍ : لِمَالِهَا، وَلِحَسَبِهَا، وَجَمَالِهَا، وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ”.
نلاحظ في التمثلات التي يحملها الرجال حول الشريكة المثالية أنّها تضع الجسد في المقدمة يليها مباشرة الجمال، وهذا ما يفسر في نظرنا تكرار وضعيات التحرش الجنسي، و التي يراها الذكور علاقة مغازلة و تودد تجاه المرأة. فالظاهرأنّ التفكيرفي تعيين الشريكة المثالية يعتمد على الجسد، و تحديدا على مجموعة من الخصائص، و التي قد تختلف باختلاف ميول الأفراد، إلاّ أنها عموما لا تخرج عن إطارالجسد المثمَّن بمعنى الأعضاء المثيرة جنسيا، مثل الصدروأسفل الظهر.
الجمال هو ثاني ميزة يضعها المشاركون في تعيينهم للشريكة المثالية، ومثلما ذكرناه بالنسبة للجسد، فإن الجمال حتى وإن اختلفت الميول حوله، إلاّ أنّه لا يخرج عن إطار التبرج (الماكياج + الشعر) بمّا يعطي اهتماما بكل تقاسيم الوجه في أدق تفاصيله، وهو ما جعل ارتباط الجمال بالتبرج سائدا. و هذا ما يمكن تفسيره انطلاقا من تثمين الجسد عن طريق اتباع كل ما تحمله خطوط الموضة ، بدءا باللياقة وصولا إلى الجراحة التجميلية.
و ثالث ميزة يتفرّد بها المشاركون الذكور عن الإناث هي الخبرة الجنسية. فقد أجمع أغلبية المشاركين أنّ الشريكة المثالية هي من تتمتع بمؤهلات و أداءات جنسية تستحق عليها لقب المثالية. إنّ الشريكة المثالية تقترن بميزة الخبرة الجنسية أكثرمن اقترانها بالميزتين السابقتين. لكن ونظرا للارتباط الوثيق بين الجسد والجمال من جهة وبين ممارسة الجنس من جهة أخرى، فإن المشاركين يفترضون في كل من يَرون في جسدها وجمالها ما يناسب طموحاتهم أن تكون شريكة مثالية.يعكس امتلاك الشريكة المثالية لجسد وجمال مُثيرَينفي نظر المستجوَبين إلى كونها ذات خبرة جنسية تتناسب و تمثلاتهم. و الظاهر أن أغلبية المشاركين يتفقون إلى حدّ ما حول محتوى الخبرة الجنسية، إذ أشارت إجابات العديد منهم إلى ممثلات أفلام البورنوغرافيا كنموذج عن الخبرة الجنسية، أي أن تقوم الشريكة بكل الممارسات الجنسية الواردة في الإنتاج البورنوغرافي. و لا مكان للمعايير الاجتماعية في العلاقة مع الشريكة المثالية، يقول المشاركون، فهي في حدّ ذاتها تساعد على ذلك، طالما أنّها تقوم بجميع الممارسات حتى تلك التي قد تعرف بـ”الشاذة”، دون إشعار شريكها بأن كليهما محل تجاوز للمعايير. وضمن مجال تغييب المعيار الاجتماعي يُبلور المشاركون ميزات الشريكة انطلاقا من المخيال.
و مع ذلك فالتواصل مع الشريكة المثالية، و التي حدّدت ميزاتها انطلاقا من المخيال، يمكن تحقيقه في الواقع، إذ يعطي المشاركون تفاصيل دقيقة عن العلاقات التي جمعتهم بمن يصِفونهنْ بالشريكة المثالية، و كنّ في أغلب الحالات من” المومسات المرخّصات و من المومسات الخفيّات” . نرى أنّ التجارب التي خاضها المشاركون مع عدد من اللائي تنطبق عليهن ميزات الشريكة المثالية كانت عاملا مؤثرا في تحديدهم لميزات الزوجة، إذ نجدهم يحتفظون بالجسد و الجمال و يضيفون ميزتين جديدتين هما منصب العمل و نسب العائلة مع إسقاط الخبرة الجنسية بصورة مطلقة من ميزات الزوجة.
يصّر أغلبية المشاركين على ميزة الجسد ويضعونه على رأس قائمة ميزات الشريكة سواء تعلّق الأمربالشريكة المثالية أوبالزوجة. وباعتبارأنّ الجسد يقترن بالجنسانية شأنه شأن الجمال، فإنّنا نرى أن المشاركين لا يتنازلون عمّا يحملونه من ميزات تخص الجسد وتخصّ الجمال مهما كانت الشريكة. في الظاهر يبدو و كأنّ الجسد و الجمال ضرورتان تشترك فيهما كل من الشريكة المثالية و الزوجة، لكننّا نلمس اختلافات جوهرية في هذه المسألة تحديدا، فهي و إن كانت ضمنية إلاّ أننّا نجدها عميقة من حيث المعنى. فالجسد المرغوب في الشريكة المثالية هو الجسد المثمّن عن طريق إبرازمناطق معيّنة فيه، شأنه شأن الجمال، ذلك أنّ تمثّل الجمال في الشريكة المثالية هو الجمال المُتبرج المتعلق أساسا بالماكياج و الاعتناء يشكل الشعر. و عندما يتعلّق الأمر بالزوجة، يأخذ الجسد و الجمال المرغوب فيهما بعدا آخر فيبدوان مختلفين تماما عن الجسد المُثمَنْ وعن الجمال المتبرِج لأن تثمين الجسد مرتبط بالضرورة مع الشريكة المثالية و ليس مع الزوجة، فجسدها يجب أن يكون مخفيا و غيرمثمّن على عكس جسد الشريكة المثالية. و من هنا نفهم أنّ المشاركينيضعون فروقا بين الشريكة المثالية و الزوجة لدرجة أنّ إحداهما لا يمكن أن تكون في مرتبة الأخرى.
يتضّح أنّ خاصية عمل المرأة و حتى خاصية نسب العائلة، و التي أثارها ثلاثة مشاركين فقط من أصل عشرة، لا تشّكل الفيصل بين الشريكة المثالية الزوجة. فاتجهنا إلى البحث أكثر في خاصية أصّر عليها المشاركون في الشريكة المثالية و أسقطوها تماما عن الزوجة، و هي خاصية الخبرة الجنسية التي تكون سببا في منح شريكة دون سواها صفة الشريكة المثالية. إذ تكون الشريكة مثالية إلاّ إذا توّفرت على خبرة جنسية، و التي لمح إليها أغلبية المبحوثين بأخذ الممثلة في الأفلام البورونوغرافية بوصفها نموذجا. ويُحْتَمِلُ أنّ إجماع مجتمع البحث على إسقاط الخبرة الجنسية كخاصية في الزوجة بإغفالها إنمّا يقصدون به ضرورة عدم امتلاكها هذه الخبرة.
يبدو أن العذرية التي كانت من قبل دليلا كافيا على عفة المرأة لم تعد كذلك اليوم، إذ وَرَدَ في تصريحات أغلبية المشاركين أنّه سبق و أن دخلوا في علاقات مع نساء مارسوا معهنّ الجنس و تزوجّن بعد ذلك بسهولة. فقد كُنّ يشترطن في العلاقة الجنسية عدم الاقتراب من غشاء البكارة. و عليه يُعّدُ انعدام الخبرة الجنسية لدى الزوجة أو الحكم عليها بأنّها كذلك أكثر من ميزة، فهو شرط يجب توفّره في الزوجة.
خاتمة
الخبرة الجنسية التي لا تمتلكها الزوجة تجعل الفترات الأولى من الزواج تمرّ بشكل إيجابي، إذ غالبا ما يقاسمها الزوج شعوره بالارتياح لكونه أوّل من لامس جسدها. و بغض النظر عن فترة استمرار هذه العلاقة الإيجابية، و التي قد تمتد شهورا أو سنوات، إلاّ أنها مُنْتَهٍية لا محالة. فقد استنتجنا من خلال تصريحات المشاركين معي في العمل البحثي بأنّ انعدام الخبرة الجنسية عند الزوجة في بداية الزواج ميزة و شرط لابد من توّفره إلاّ أنّه سرعان ما يتحوّل في نظرهم إلى عيب فيها بعد ذلك، إذ يَعِيبُ الشاب على زوجته، بصفة علنية أو ضمنية، افتقارها للخبرة الجنسية فيحكم عليها بما يسميه عجزا جنسيا لديها، و غالبا ما يتّخذ ردّ فعله شكل برود جنسي و امتناع عن معاشرتها كذريعة منه ليبحث عن ما يتناسب و تصوّراته ورغباته عند غيرها، فيشرع على ضوء تمثّله للخبرة الجنسية في البحث عنها عند امرأة أخرى غير زوجته، و التي لن تكون إلاّ تلك الشريكة المثالية.
تضح من خلال ما سبق بأنّه يبدو أن الرجل في المجتمع المغربي لا زال يوّظف العلاقة الجنسية بشكل يخدمه هو، أي بما يرضي حاجاته و تمثلاته و يحمي استمرار هيمنته الذكورية .
فهو يرى في الخبرة الجنسية ميزة في الشريكة المثالية، و التّي لا يمكن لها أن تكون تحت أي ظرف من الظروف ميزة للزوجة. هذه الأخيرة، و إن كان اختيارها على أساس ميزات جسدية و جمالية، إلاّ أنه اختيار ينطلق من الحكم بأنّها عديمة الخبرة الجنسية. هذه الميزة التي تمنح للزوجة مكانة سرعان ما تتحوّل إلى عائق لديها، و هو ما يمكن أن يتّخذه الزوج ذريعة للبحث عنه في امرأة أخرى هي الشريكة المثالية.
محمد أسامة الفتاوي
جميع حقوق النشر والتأليف محفوظة.
تعليقات 0