جريدة نبأ نيوز

سأنتظرك دوما في سكون الليل… قصة قصيرة.

ليس الحب مجرد عاطفة فقط
. بل هو شعورك بالمسؤولية
عن روح أخرى تسكن روحك….
تعود الحكاية لما يزيد عن ثلاثين عاماً…
أحبته وهي في ريعان صباها، وعندما زادت سنوات عمرها لتسمح لهما بالزواج اختارت الا تتزوجه لأنها اخذت قرارا برومانسية مفرطة انها تخاف ان تتشوه صورته أمامها وان تكرهه في يوم ما، ولذلك قررت ان تقبل بالزواج من غريب جاءت أمه لتراها!
فهي وان لم تحبه لن تكسر قلبها فيما اذا تغير معها… وكان ما ارادت وتزوجته… عاشت حياة روتينية عادية ومع تطور شخصيتها ونضجها بدأت تشعر بالحنين للنقاشات الشيقة التي كانت تخوضها مع من تحب وتشتاق لمشاركتة الاراء السياسية وخاصة انهما تعارفا في فترة اضرابات الجامعة، وتحن لكلمات غزله خاصة ان غزله كان يطول عقلها وروحها وكل ما له علاقة بها كانسان وكروح… اما زوجها فهو شخصية جافة لا يعرف الغزل ولا يعترف بان يناقش امرأة اي كانت في اي موضوع كان!! ومع ذلك كانت تلوم نفسها عندما تفكر به وتشعر بنوع من الخيانة فتقوم تستغفر وتحضر كعكة لذيذة ككفارة لزيارة طيفه!!
وبعد حوالي عشرين عام من الزواج الذي انتج ثلاث ابناء اكبرهم فتاة تدرس في الجامعة واصغرهم ما زال في المدرسة… قرر الأب الذي لم يكن يوما حنونا على اي فرد من افراد العائلة ان يتزوج مرة ثانية انبهارا منه -وكبقية الرجال الذين يختاروا هذا الحل- في الثانية ولاعتقاد ساذج انه لن يواجه المشاكل مع الثانية لانها والى الآن لم تفتعل اي مشكلة ناسيا او متناسيا –ايضا كحال الذي يختار خيانة من يحب- ان المشاكل لم تكن قديما موجودة مع الحبيبة الاصلية وانها ولدت مع السنوات المتراكمة والأهم انها جزء طبيعي من اي علاقة في العالم المهم الاحترام المتبادل والقدرة على حلها… لكنه ضرب كل ذلك عرض الحائط واختار الزواج من الثانية
عندها رجعت تحدث حبيبها القديم الذي يعيش في بلد آخر -والذي هو بلدها قبل ان تتزوج- في خيالها ولم تعد تشعر بتأنيب ضمير عندما تقوم بذلك… وعندما حدثت حالة وفاة في مدينتها الأصلية ذهبت لأداء واجب العزاء مع والدتها وهناك سمعت اخباره وعرفت انه لم يتزوج بعد رغم تقدمه في العمر ولم تستطع انكار حقيقة ان غرورها قد اشبع من هذه المعلومة… واستطاعت بطريقة التحري عنه…
ثم حدث زفاف في العائلة.. ابن شقيق زوجها لكن احداّ لم يدعوها فقد اختار اصطحاب زوجته* الجديدة *فأعلن الأبناء تضامنهم مع والدتهم ولم يذهبوا لحفل الزفاف… بعد ان شعرت بالخيانة والاهمال والنقص قررت بجرأة –او من باب الانتقام- الاتصال مع حبيبها القديم وكان قلبها يتسارع بالدق مع كل رنة وشعرت بدوار خفيف وعرق يبلل وجهها وظهرها.. ثم سمعت صوت قوي حنون اجش يقول الو.. صمتت فعاد الوووووو فقالت كيفك؟؟؟ فقط كلمة واحدة الجمته وسأل غير مصدقا: ابتسام ؟؟!!! لقد عرفها!!!! لا يملك رقمها ولم تتصل معه منذ اكثر من خمس وعشرون عام ومع ذلك عرفها!!! نعم!!! وقلبها يرقص فرحا اجابت، تحدثا مطولا عن اخبارهم عن ابناءها عن حله وترحاله عن البلاد وعن وعن… الا عن اشواقهم!! احترم انها متزوجة من اخر واحترمت انها على اسم رجل يحضر زفاف قريبه مع زوجة ثانية… واتفقا على ان تقوم هي دائما بالأتصال كي لا يحرجها وكان ذلك… لم تتصل كثير بل مرة كل بضعة اشهر او مرة كل سنة ولكنها كانت بخيالها تحدثه يوميا وكانت في كل مرة تعترف انها اساءت الاختيار وان الزواج ممن يحب القلب لا يعني نهاية هذا الحب.. فها هي صديقتها تزوجت من حبيبها ايام الجامعة وحتى نزوته عندما قام بها غفرتها مع ايمان غليظة انها ستطلقه ان عادها ولم يعدها بل احبها بشغف اكثر.. بعد اعوام كثيرة توفيت هذه الصديقة فلجأت اليه تبكي… ثم فجأة انقطعت اخباره!! لا يجيب عليها… اكيد لم يتزوج فهي الآن في أوائل الخمسينات وهو في نهايتها لكنه مختفي… ولأول مرة في حياتها اصبحت كل اسبوع تتصل ولكن هاتفه الان مغلق ثم اصبح مفصول!!! لاحظت ابنتها قلقها واضطرابها لكنها لم تعلم السبب.. الكل كان يلاحظ انها لم تعد تغار على زوجها ولا تسأل عنه فاكيد ليس هو السبب… وبعد فترة تجرأت بسؤال قريبة له كبيرة في العمر وصديقة لوالدتها التي توفية منذ فترة وكان هو سلوتها وعزائها وقتها في السؤال عنه فقالت له انه توفي فجأة لكنه كان سعيد ولا احد يعلم لماذا بل وانه قبل وفاته بيوم او يومين طلب منها الاتصال ب إبتسام للأطمئنان عليها لكنها نسيت ولم تعلم لماذا طلب ذلك وترك رسالة !!!
كان يعلم انه سيغادرنا!
بكت بحرقة.. بكت على سنوات من عمرها ضاعت بفعل قرار خاطيء دفعت كل عمرها ثمنا له.. اشقاها قرارها وعذبها ولخوفها على ابناءها من الرجل الذي خان عشرتها لم تستطع ارضاء قلبها بتصحيح ذلك القرار.. تعلم انها لم تراه منذ ما يزيد عن ثلاثين عاما لكنها كانت تأمل انها سترى طيفه ولو من بعيد.. كانت تحب سماع صوته وتأخذ جرعة نشاط وتفاؤل تكفيها لأشهر.. والآن لا أمل لها في هذه الجرعات..
بعد أن اخدت الرسالة التي ترك لها، اغلقت باب غرفتها فبدات في قرائتها حيث جاء فيها:
*حبيبتي اخترت الليل لأكتب عنك
أتعلمين لماذا
لأنه محظور علي التكلم عنك صباحا
ومحظور علي ذكر أسمك ظهرا
ومحظور علي تخيل رسمك عصرا
ومحظور علي أن أحبك وأعشقك
وأن أهيم بك نهارا فأدمنتك ليلا
فكم تسكرني نظراتك تحت ضوء القمر
وكم أعشق حديثك في سكون الليل
فأنتي حلمي وأنفاسي وهمساتي
تحضرني مساء وتغادرني مع خيوط النهار
لكن … أين أنتي هذا المساء
سأنتظرك دوما في سكون الليل
وسأبحث عنك بصمت في ضوضاء النهار
حتى تاتيني ذات مساء… *
فجأة بدت على قسماتها كل السنين التي عانتها ووجدت نفسها لا تناصر إلا من يحب ومن يطلب الزواج ممن يحب.. فقد ادركت بعد فوات الأوان ان إضاعة الحب هو اضاعة للروح نفسها…
بقلم
محمد أسامة الفتاوي
جميع حقوق النشر والتأليف محفوظة.