د خالد الفتاوي : بعد احتجاجات المحامين أمام البرلمان كيف يمكن لوزير العدل ورئيس الحكومة إنقاذ مرفق العدالة؟

بقلم: د خالد الفتاوي
محام بهيئة المحامين بمراكش مراكش
.شهد محيط البرلمان المغربي خلال الأيام الفتاوي احتجاجات واسعة للمحامين، عبّرت عن حالة احتقان غير مسبوقة داخل أسرة الدفاع، نتيجة مشروع قانون يمس جوهر مهنة المحاماة، دون إشراك فعلي وحقيقي للهيئات المهنية في صياغته، في تعارض صريح مع روح الدستور ومبادئ دولة الحق والقانون.
إن خطورة الوضع لا تكمن فقط في الاحتجاج في حد ذاته، بل في التوقف شبه الكلي لمرفق العدالة بسبب غياب المحامين عن الجلسات، وهو ما ينعكس مباشرة على حق التقاضي، وعلى السير العادي للمحاكم، وعلى الأمن القضائي والاستثماري للمملكة.
⸻
أولاً: المحاماة ركن من أركان العدالة وليست مرفقاً تابعاً
ينص الفصل 120 من الدستور المغربي على أن:
«لكل شخص الحق في محاكمة عادلة، وفي حكم يصدر داخل أجل معقول».
كما يكرّس الفصل 118 حق الولوج إلى القضاء للجميع، غير أن هذه المبادئ الدستورية لا يمكن تفعيلها عملياً في غياب المحامي الحر والمستقل، باعتباره شريكاً أساسياً للقاضي والنيابة العامة في تحقيق العدالة.
إن تعطّل المحاكم اليوم ليس “إضراباً تقنياً”، بل إنذار دستوري بأن توازن العدالة مختلّ، وأن مقاربة الإصلاح لا يمكن أن تتم بمنطق الإملاء التشريعي.
⸻
ثانياً: مسؤولية وزير العدل… من التشريع إلى التهدئة
إن الدور الدستوري لوزير العدل لا يقتصر على إعداد النصوص القانونية، بل يمتد إلى حماية السير العادي للعدالة وضمان استقرار المهن القضائية.
وأمام الوضع الحالي، فإن الحد الأدنى من الحكمة السياسية والمؤسساتية يفرض على وزير العدل:
1. الإعلان الفوري عن تجميد مسطرة المصادقة على مشروع القانون المتعلق بمهنة المحاماة.
2. فتح حوار مؤسساتي جاد مع جمعية هيئات المحامين، لا حوار شكلي أو تقني.
3. الالتزام العلني بمراجعة النصوص المثيرة للاحتقان، خاصة تلك التي تمس الاستقلال المهني، والتكوين، والتأديب، والضمانات.
إن استمرار الصمت أو الاكتفاء بخطاب التبرير سيُعمّق الأزمة، ويُحمّل الوزارة مسؤولية تاريخية عن شلل العدالة.
⸻
ثالثاً: رئيس الحكومة… سلطة التحكيم الدستوري
طبقاً للفصل 89 من الدستور، فإن رئيس الحكومة يمارس السلطة التنفيذية ويُنسق بين الوزراء، وهو المسؤول السياسي الأول عن انسجام السياسات العمومية.
وفي ظل توقف شبه كامل للخدمة القضائية، فإن تدخل رئيس الحكومة لم يعد خياراً، بل واجباً دستورياً، من خلال:
• القيام بدور الحَكَم بين وزارة العدل والمهنة.
• استحضار البعد الاقتصادي والاستثماري للأزمة، خصوصاً في ظل رهانات المغرب الدولية.
• توجيه رسالة سياسية واضحة بأن الإصلاح لا يتم ضد الفاعلين بل معهم.
إن غياب التحكيم الحكومي سيحوّل الأزمة من قطاعية إلى أزمة ثقة في مسار الإصلاح المؤسساتي.
⸻
رابعاً: مصلحة الدولة فوق منطق الغلبة
إن المحامين لا يدافعون عن امتيازات شخصية، بل عن ضمانات مهنية مرتبطة مباشرة بحقوق المتقاضين، وعن صورة العدالة المغربية في الداخل والخارج.
كما أن الدولة، بمؤسساتها، مطالَبة بأن تتعامل مع الاحتجاج بعقل الدولة لا بمنطق الصراع، لأن الرابح الوحيد من الحوار هو الاستقرار القانوني، والخاسر الوحيد من التصعيد هو ثقة المواطن.
⸻
خاتمة
إن إنقاذ الوضع اليوم يمرّ عبر قرار سياسي شجاع، يعيد الاعتبار للحوار، ويضع الدستور فوق كل اعتبار، ويؤكد أن مهنة المحاماة ليست خصماً للدولة، بل صمام أمان للعدالة.
فإما أن نختار طريق التهدئة والحكمة،
وإما أن نغامر بتعميق شرخ لا يخدم أحداً.
⸻
✍️ خالد الفطاوي
محام بهيئة مراكش

تعليقات 0