جريدة نبأ نيوز

الإخلاء الجبري للدنيا..

ظل يبكي طوال الليل، يتأمل النجوم التي تضيء ليلة لآخر مرة، ماذاك إلا وداع النهاية، وما أفدحها من نهاية إذا كانت معروفة منتظرة.

في الساعات التالية ينفذ فيه حكم الأخلاء الجبري والترك الفوري لهذه الدنيا مفعولاً به لا فاعل، منصوباً على النُصب و مشنوقاً بلا ضم.

تلا عليه القاضي قرار الإعدام كأنما يقرأ صحيفة الصباح، وكأنما هو من أهل الموت المعروفين له، صار يقرأ ويقرأ، في غرفةٍ يدخلها نور الصباح وبرده، بها سجاد أخضر وحوائط صفراء قديمة، مكتبٌ عتيق والكثير من الشدة والتزمت الذي يملئ أركان المكان، رائحة العطور الرخيصة المختلطة بدخان السجائر، وهو يقف على قدميه التي بالكاد تحملانه.

نفد كلام القاضي وزاد الصمت، رفع عينيه وسأله ” ألك من حاجة أخيرة؟ ” رد عليه ” نعم، لدي سؤال!”
” أين الناس الذين سيشهدون موتتي؟ وأين المعتبرين المقصودون بالخوف والزجر من مصيري؟ ألم أكن لألقي عليهم خطبة أو جملة أو كلمة؟ أليس في هذا أقتل؟ أقل القليل أن أمنح هذا الحق، أريد أن أتكلم يا سيادة القاضي.”

” هذه أوهام الكتاب وحكايا الماضي التي ظننت أنك بطلٌ فيها فصرت تقول وتقول بلا خوفٍ ولا حذر، للأسف لم نعد في هذا العصر الذي يمكنك أن تموت فيه بشاعريه، وأن يخلد ذكرك في العالمين، أنت إن لم تكن متوهماً فانك مجنون ولا ريب، أتظن أننا لا نعلم ما تقول؟ أو لا نفقه ما تقصد؟ نحن الان، كلنا مؤمنون، كلنا مسلمون، ولكننا نؤمن أننا فوقكم قاهرون، ولا سبيل لك ولا لغيرك لتغيير هذا، نحن نؤمن بأن الله قاهر قهار، وهكذا نحن، والعياذ بالله أن نضع نفسنا بمحاذاة قدر الله، لكننا حقاً خلفاؤه، خطأك الكبير وخطأ غيرك أنكم لم تفهموا ذلك ولن تفهموه أبداً.”

أخذوه مرفوعاً من تحت ابطيه، مجروراً إلى مصيره المحتوم بكل خشونة وصلف، هزم الخوف كل كلمة بداخله وأستلقت مشاعر الاستسلام على قمة رأسه، وقف صاحبنا على المنصه منتظراً أن يشنق إلا أن الشانق أشار لهم أنه لابد أن يتأخر الموعد المعد سلفاً لخطبٍ جرا في ألةِ الشنق.

لا يمكن أن نصف ذلك بالمنحة ولا بالمحنة، لا بالعذاب ولا بالرحمة، حقيقة لا ندري ما نصف به هذا الشعور، دخل صاحبنا إلى زنزانةٍ قريبة، وحملقت عيناه بنور الشمس الذي يتحسسه لأخر مرة، ظل ينظر ويطيل النظر حتى سمع صوت دبيبٍ بالخارج، كان الدبيب يتعالى والصوت يزداد، أقترب من النافذة وأخذ يصيح ” أحبائي وأعزائي المفلسين مثلي، المؤمنين مثلهم أسمعوني لا أبا لكم، أنا خائفٌ من الموت، وخائف من الشنق، لكن خوفي الأكبر أن أحدثكم عن الله ونفاق قلبي شاهدٌ علي، أو أن أحدثكم عن الشجاعة وأنا أجبن من فأر، أخاف أن أحدثكم عن الحب والعشق ولست إلا فتى لا يحسن إلا أن يقول، أخاف أن تقودكم كلماتي عن الحق والخير والعدل إلى نفس مصيري، أشعر الان أنني أتسامى وأرتفع فوق هذه الدنيا، تالله لم أكن خانعاً وكانت كلماتي هي كل ما لدي، أعذروني جميعاً على قلة حيلتي وهواني، أنا لا أدري أتسمعوني أم لا، لكن هذه هي كلماتي التي أرجو أن تصلكم.”

لما أنتهت الساعة ودخلوا عليه ليطلقوا سراح روحه من جسده، وجدوها قد هربت خوفاً من مصيرها التي ستلاقي، لكنهم أحتاروا في جسده، ماذا عليهم أن يفعلوا، ذهبوا إلى القاضي الذي قال لهم ” رحمة الله قد سبقت قهره، ولكننا لا نعرفها، أشنقوا جسده وأعملوا حبل المشنقة في رقبته حتى يتعظ كل سافل منهم، أشنقوا بقايا روحه.”

وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ.
بقلم
محمد أسامة الفتاوي
جميع حقوق النشر والتأليف محفوظة.