عذاب أمي و عذاب العجز عن مساعدة أمي… قصة قصيرة

بعد الإفطار وصلاة العشاء والتراويح، قصدت مقهى وجلست على طاولةٍ أحسبها فارغة إلا أنها كانت تفيض من الدمع حزناً .
طلبت كوباً من القهوة، لأجد بجواري طفل يجلس بدون أي مقدمات , طفلُ في عامه الثاني عشر , ينظر أمامه بدون إلتفات , كأنه هبط إلى الأرض حديثاً فتعلق بصره بمشهدٍ من تجليات الخالق العظيم .
بادرته بمبادرات سمحة كعادة الكبار , لم يعرني إنتباهه ،فطلبت منه التخلي عن الجلوس بجواري و الذهاب إلى كرسي آخر , لكنه أبداً لم يرد .
حاولت أن أستبين ما تعلق به بصره , فإذا به ينظر إلى سيدة منهكة متعبة , تشتغل بالمكان يبدو عليها أنها تحت نير العبودية الحديثة منذ أبدٍ بعيد، بلغت الأربعين على أقصى حد , تحصل على ما تريد بكل قوةٍ و عصبية , صوتها العالي الذي يعلو أصوات المحركات بالشارع , و يشق ذلك السخام و يصل إلينا نحن الأثنين , مع مجموعة من أصوات نساءٍ شبيهاتٍ بها .
الولد الرابض على كرسيه , كأنه عنزة صغيرة تحارب عناصر البيئة من حولها لتنام في كنفٍ يحميها , ينام برأسه و في يده حقيبةُ أمسكها بأنامل مصفرة صغيرة، طلبت من القهوجي أن يصنع له مما يحب أطفال اليوم…
وضع القهوجي كوباً به ما يشبه الكاكاو , و لكنه غير ذلك , شرب الطفل ما وضع له القهوجي و قد ثغر فاه, و شكرني و أعاد وجهه لما كان عليه أنفاً .
سألته ما يضنيك , و هل هذه أمك ؟ , حرك برأسه بالإيجاب , ثم أطرق يقول ” أمي متعبة , لم تعد كما كانت , أعرف أن موجبات الحياة تحتم عليها فعلها , لكن تعبت لتعبها , و تمزق جسدي لانهدام جسدها , لا تفيق إلا على موعد العمل , ثم تنام حتى الصباح” . و سكت .
خفت أن أسأل عن أباه , لعل الله قد أختاره من بيننا ليرتاح من شقاء المعمورة , و لكن تجسرت و سألت .
فأجاب ” أبي بلغ ما يبلغ الرجال من العنت , يعمل على فترتين , فلا نراه إلا قليلاً , عافاك الله يا سيدي , لقد كاد أن يموت يوماً حينما غلبه قلبه و أرتفع ضغطه , فصار يهذي , و خفنا عليه , لكن خوفه من إنقطاع الرزق كان أشق على نفسه من خوفه من الموت ” .
قلت له ” صحيحُ يا ولدي , إن الرجال قد يتحملون الجوع و القحط , و لا يتحملون سؤال الولد أو الزوجة الذي لا يجاب , و لا يتحملون سؤال الناس بغية الرزق , فهذا حال العزيز منهم , و لعل لك من عزة والدك نصيب ” . ثم أبتسمت .
قال لي ” يا ليت لي أن ابين لهم أنني لا أريد العيش الرغد , بل أريد العيش معهم , أن أرى أمي ضحكةٌ مستبشرة دائماً , لا متعبةُ و لا منغصة , يكفي أن تجلس ساعة معها لتعرف ما أقصد ” .
الولد كان يتحدث و كأنه أزال من على صدره صخر جاثم , و كنت أستمع له و بدون أن أظهر ملامح الشفقة و الحزن , لعله أرتاح لما في وجهي من جمود , كأنه يقول ” أنا رجلُ لا أحب أن أظهر ضعيفاً ” و لكن ليت شعري إن قلبي يدمي و عقلي يدور في فلك الحزن يا ولدي , هذا ما جنت يد الإنسان من مبادئه الرأسمالية الجشعة .
قال ” في صغري و انا ابن خمس , كان أخوتي الأكبر سنا يذهبون إلى مدارسهم , فأبقى في البيت أنا و أمي , فتضحك و تلعب معي , و تصنع لي الأطعمة الطيبة , و تفيض علي حناناً لا أكاد أطيقه , فأرتمي في أحضانها نهاراً و ليلاً , فلا أجد في الدنيا من يسامرني كما تفعل هي , و لا من يتحملني كما تفعل هي , ثم أنام في كنفها أمناً، أشعر و كأن الدنيا كلها تحت قدمي، و أن إخوتي قد أضاعوا حياتهم بالذهاب إلى المدرسةِ و ترك أمي ” .
قاطعنا صوت أمه من بعيد , لم أفهم ما تقول لتداخل الأصوات , أما الولد فقد فهم أن والدته تريد منه الإنتظار ريثما تذهب إلى الجزار فتشتري منه بعض اللحم و الشحم .
ثم أردف قائلاً ” أصبحت أمي تشكو لي ما يحدث في عملها , فأزداد هماً لهمها , و قد أصاب جسدها ألام المفاصل و كثرة الإرهاق , فأغدو عليها و أروح و هي مستلقيةُ على سريرها لا تبارحه , و أنا أبكي دماً و ألعن كل سبب حملها ما لا تحتمل , فصرت أتعذب في اليوم عذابين مضاعفين , عذاب أمي و عذاب العجز عن مساعدة أمي , و لعمري إن كنت صغير السن حديث النشأ , ألا و أن كاهلي قد أتعب و أرهق، لو كان الأمر لي لأجلست أمي رغماً عنها , و لذهبت لأعمل , و لحفظتها مما ينهك جسدها و قلبها و عقلها ” .
كان الصبي صادقاً , نزلت عبراته من مقلتيه , و لم يهتز صوته الصغير الواثق , و لكنه يشعرك بغصة القلب، و ألم الروح، ربنا الصمد لماذا تتعذب الأرواح الصغرى حتى في وجود كنفٍ يؤويها ؟ . اللهم رحماتك .
و أمثال هذا الفتى حين الكبر , تعصف بهم الألام و تودي بهم أمراض النفس و العقل، فينشأ على كره أسبابٍ كبدت أمه حياته و حياتها , و هذا نتاجُ الإستعباد , فينادون بعمل المرأة دون النظر إلى إحتياجاتها , فيعاملونها كما يعاملون الرجل , و ليتهم يفهمون أن حكمة الخلق على جنسين، ليس المراد منها أن نعامل نفس المعاملة، بل إن القصد منها أن ييسر كلٌ لما خلق له .
و لست مضادً لعمل المرأة، و لكني مضادٌ لأستغلالها و إنهاكها، و لا أقول لهن أجلسن، و لكن أقول لأصحاب المسئولية , أرحموهن و أعطوهن , و يا حبذا لو قام الرجل بأمر الرزق تقسيماً مع زوجته , فهو يأتي بالمال الذي يقدر و لا يأتي بالعطف و الحنان الذي لا يقدر عليه , رحماتك اللهم بعبادك , لست أدري قولاً أرحم من قول النبي إذ يقول ” أنت رب المستضعفين و أنت ربي , إلى من تكلني ؟ ” يا رب المستضعفين أجبر كسرهم و أبدلهم خيرا مما أخذ منهم .
محمد أسامة الفتاوي
جميع حقوق النشر والتأليف محفوظة.
تعليقات 0