جريدة نبأ نيوز

الإستمتاع بالمعنى أهم من الإستمتاع بالمبنى

*لا أظن أني أستسيغ أن تكون لي امرأة سافرة يرى منها العالم ما أرى، ويستمتع بها الناظر في خيالة كما أستمتع أنا معها في واقعي*.

الجمال المجرد يخاطب في مبدأه الغريزة التي تفضي به إلى معاني المتعة الدنيوية المحضة ، فتتأتى للواحد منا معاني الإستمتاع المجردة كالأكل واللمس والحس والشم، ولا نستنفر من ذلك لأن الله خلقه مشتركاً بين جميع الكائنات الحية التي حتماً تستمتع بشيء من تلكم الأشياء، فالكلب مثلاً يهفو قلبه إلى قطعة لحم وعظم، وتراه يهز ذيله كأنما يخبر العالم كله أنه في سعادة غامرة أبت عليه ألا يهز الهواء بذيله بعدما كان يدوي نباحه طالباً للطعام.

ولأن الفطرة من الله فلا نعيبها ولا نستنكف أن نحمد الله على خلقتنا هذه، ولكنه لما فضل بني أدم أعطاهم فضل الإسم والمعنى، فالفطرة التي تقتضي الإستمتاع بالنساء أخذت معاني كثيرة ولا أسماء كثيرة فلا تتشابه فيما بينها إلا في شكل الفعل، وتختلف في معناه واسمه وغايته والمترتب عليه، وفي كل زمان نجد مجموعة من البشر تتحسر على هذه العطية وتكرهها إذ أنها توقفهم عن الإستمتاع المحض المجرد بالحسيات الدنية، فإننا لا نلوم أحدهم على أكله لحما نيء لأنه أكل، بل إننا نستقذر أكل النيء من الطعام ونراه من البدائية التي ننفر منها جميعاً، فالمسألة هنا عن الذوق والحس والشعور.

ولا أظن أن جيلاً من الرجال قد عرض لمفاتن النساء كجيلنا الحالي المحاط والمبتلى بتسليع معاني الأنوثة ذاتها وجمالها الفاتن الذي لا يفتئ يستفذ المرء صحيح الرجولة منا، استفذاذ للذكورة وآخر لمعاني الغيرة.

وعن نفسي لا أظن أني أستسيغ أن تكون لي امرأة سافرة يرى منها العالم ما أرى، ويستمتع بها الناظر في خيالة كما أستمتع أنا معها في واقعي، ولطالما أفسدت هذه الفكرة على أشكال شتى من الشعور ولكن لا محالة أن أغيرها لأنها في أصلها صحيحة وفي مجملها جيدة، وأرى أن الرجل لما يرتقى في سلم الفكر والشعور تكمن فيه الغيرة ولا تغادره، ويهذبها الرقي ولا يضعها في خانة رد الفعل، بل هي الغيرة التي تحكم حياته فتنهاه عن أن يقتحم ما قد يسبب غيرته لو كان الأمر في أهله هو.

فالحق أن ننشىء أبنائنا وبناتنا على أن الإستمتاع بالمعنى أهم من الإستمتاع بالمبنى، وأن الجسد المفضوح المشترك فيه كل الناس أقل قيمة من ذلك المصون الذي يراعي حدود الله الظاهرة وأنه في ذاتة معونة على الحفاظ على حدوده الباطنة.
محمد أسامة الفتاوي
جميع حقوق النشر والتأليف محفوظة