بعد عدة احداث تكاد تكون متشابهة بين سارديها من المواطنين بمراكش ،لما يعيشونه من تهديد وبلطجة من طرف بعض من يسمون أنفسهم حراس السيارات بالاماكن العمومية والشوارع العامة بالمدينة
وبعد أن قام المجلس الجماعي لمراكش* مشكورا* بتحديد تسعيرات ركن السيارات والدراجات العادية والنارية في المواقف العمومية، وذلك عبر وضع لافتات كبيرة توضح الأثمنة القانونية،
أصبح من اللازم والمؤكد من السلطات المسؤولة ايقاف هذا النزيف والمرض الذي أصبحت تفرضه هذه الشريحة الغير منظمة في غياب إطار تنظيمي والتي تضرب عرض الحائط جميع القوانين والبنوذ المنصوص عليها في هذا الشق ..

حكى لي أحد الاصدقاء مساء البارحة بأحد مقاهي مدينتنا ، أنه دفع مبلغ 20 درهما من اجل شراء ربطة “قزبر ونعناع” بـدرهمين، وحين أطلقت ضحكة عميقة شملت وجهي كله .. دنا مني صديق آخر قائلا أنه اضطر هو الاخر ذات مساء إلى دفع مبلغ 5 دراهم أمام مخبزة وسط المدينة ، من أجل شراء “خبزة” بـدرهمين ، دفعه لشخص يقول أنه “حارس” موقف السيارات هناك.

– المنطق المقلوب.
سخرت من سذاجة تفكيري برهة .. سرحت بتفكيري قليلا ..
تصورت إن كان أحد منا يوما (مثلا) مضطرا لاستخراج ملف إداري يتطلب وثائق متعددة ومشتركة بين إدارات مختلفة وموزعة بالمدينة، ويضطر بالتالي في كل مرة يتوقف فيها بسيارته أمام إدارة ما إلى دفع حقوق التوقف لحراس السيارات… ولنفترض أن هذا “الحق” مثلاً “خمسة دراهم” .
فكم سيكلفه الامر كله ؟

هي طبعا ليست حكايات عشوائية اوأمثلة مستورة بل يشهد ويعترف بها الجميع بمن فيهم مسؤولوا المدينة خاصة منهم مسؤولوا البلدية.. بل وكل المصالح المعنية.
حراس السيارات المزيفين ! ..هؤلاء لا يمارسون هذا النشاط أو لنقل هذا الممنوع في الخفاء بل إنهم يلبسون وزراتهم ويحملون صافراتهم وعصيهم ويفرضون منطقهم المقلوب على الجميع .. شاء من شاء وأبى من أبى…متحدين بذلك كل اعراف و قوانين الارض والسماء وكل قوانين المجلس الجماعي ولافتات التسعيرة المقننة التي تؤكد ثمن التوقف إلا أن منطق البلطجة أصبح يفرضه البلطجية بموافقة أولياء أمورهم كأداء 20 درهم التوقف بمداخل جامع الفنا!

سرحتُ برهة ألقي نظرة استرجاعية على ماض ليس ببعيد..تذكرت ذات مساء كنت جالسا في مقهى وسط المدينة ، أستمتع بشرب كأس قهوة صحبة بعض الاصدقاء بعد ان أوقفت السيارة قرب المقهى..بل على بعد متر او مترين فقط من المقهى..وبما ان الطقس كان حارا تركت النوافذ مفتوحة قليلا، والابواب كذلك…ومددت رجلي ووضعتها على احدى عجلات السيارة امامي..

وحين اردت مغادرة المكان وقف علي طفل وحاول ان يمنعني من المرور إلا بعد تأدية “الواجب” .. نظير – حسب قوله- حراسته لسيارتي.!
التفت إليه بدا لي طفل في عمر الزهور .. قلت له : الظاهر وكأنك كنت تحرس سيارتي …مني!!
ابتسم ولم ينطق بأي كلمة .. تناول عصيرا اهداه إياه صديقي ورشف منه القليل، قلت له:
حسناً ساعطيك ما تريد…لكن ليس نظير “حراستك لسيارتي”.!

– شباب توارث شوارع..المدينة.
لا يختلف إثنان في أن تفشي هذه الظاهرة ، أصبح فعلا مصدر قلق واستياء، لدى الكثير من أصحاب السيارات ، الذين يجدون انفسهم شاءوا أم أبوا .. رضوا أم كرهوا مجبرين على دفع “رسوم” بطرق غير قانونية، مقابل ركن سياراتهم في مختلف أحياء وشوارع المدينة ، اماكن توارثها بعض الاطفال والشباب ، واستولوا عليها بالقوة وحوٌلوها إلى مصدر لتحقيق مداخيل ما، مستغلين صمت السلطات الإدارية وخاصة منها مصالح البلدية، التي لم تأخذ على عاتقها مسؤولية تولي الامر.

في كل مكان..قرب الأسواق، في المناطق الادارية، قرب المساجد والثانويات، تبدو الظاهرة فعلا أمرا واقعا.

تكفي جولة خاطفة عبر مختلف الاماكن في المدينة للوقوف على صورة الوضع كاملة ..يظهر لك أشخاص يرتدون وزرات زرقاء وصفراء ومختلف الألوان ..يقفون أمام أصحاب السيارات المركونة في شوارع وازقة المدينة بل واحيانا امام بيوتهم يمنعونهم من المرور إلا بعد تأدية “الواجب” .. بعض الدراهم .
لم يتركوا مكانا الا و”سكنوه” ..بالقرب من الإدارات العمومية وأمام المساجد والمحلات التجارية والمقاهي، والتجمعات السكنية..بل وحتى امام المستشفيات العامة والخاصة ، يلفتك اطفال وشباب ترتدون وزرات خضراء ويحملون بايديهم عصي ويمسكون في افواههم صافرات يوجّهون السيارات ..ويساعدون سائقيها على ركنها.

بل ان اماكن سكنية صغيرة..وازقة صغيرة بل وضيقة احيانا أصبحت هي الاخرى بين عشية وضحاها تُستغل كأمكنة لركن السيارات وطبعا بدون اي ترخيص قانوني، بل ( أكاد أجزم ) أن الامر ربما يتم بتواطؤ مع بعض عناصر السلطات المحلية، فهناك استغلال الشوارع بل والمساحات الفارغة وتحويلها إلى أماكن الحراسة بدون الخضوع إلى الشروط القانونية ، والأمثلة كثيرة طبعا ومتنوعة…والا فلماذا لا تتدخل السلطات المحلية التي تتغاضى عن التدخل لأسباب لايعلمها الا الله وطبعا عناصر السلطة نفسها.

جارٌ لي أكد لي ذات مساء انه أصبح لزاما عليه اذا أراد الخروج من منزله وأخذ سيارته لقضاء حاجاته بالمدينة، ان يضيف مبلغا إظافيا كميزانية خاصة بحراس السيارات.
لكن ، ومع اختلاف أساليب هذه الظاهرة وتطور مجرياتها ووسائلها، يحرص المسئولون في المدينة فقط على إكساب تصريحاتهم لونا ورديا .. غير أن واقع الحال يؤكد أنه كحلي اللون.
باختصار،
صاحب السيارة، لا زال يجد نفسه مضطرا تحت تهديد حارس الموقف، إلى دفع مبلغ مالي يختلف بحسب أهمية الموقع. وذلك حتى وإن كان الأمر يتعلق احيانا بركن السيارة لبضع دقائق فقط، في ظل غياب سلطة رقابية تضع حداً نهائياً لانتشار هذه المواقف العشوائية.

حراس ، مواطنون ، سلطات ..يتقاذفون التهم ، وفيما يرى كل طرف نفسه على صواب…يبقى المواطن …
المواطن وحده ..
الضحية…لهذا المصاب.
خلاصة الحكاية.. تناسُل هذه الظاهرة وتزايدها بهذا الشكل المثير للانتباه، أصبح فعلا يعد من الظواهر الاجتماعية التي ينبغي أن توضع كسؤال .. سوسيولوجي..

أنا هنا لا أقدم نقدا لاذعا في حق هؤلاء البسطاء سواء كانوا حراس حقيقيين أو مزيفين .. بل فقط مجرد رأي وإشارة الى أن الأمر يستوجب من المسؤولين تشديد المراقبة وتفعيل دور هؤلاء والذين يظهرون في هكذا مواسم بكثرة ودون سند قانوني .