بقلم محمد أسامة الفتاوي .
>الجدران ليست حياديةً
كما قد تتخيّلُ الأبواب
فالثغراتُ تخون،
والشقوق لغةُ الوقت
أو خدوشُ أظافره الصامتة،
ثمّ إنّ الصدوع
وإن تبدو عيوبا
أو ذنوبا
لها كرمُ الإضاءة في مأزق العتمة.
***
الجدران تلك…
صديقة الوحدة، إسمنتها جلد الفراغ
أو جلد أجسادنا
لحظة العُرْي.
***
بهدوء الملاك
تتسلّم الجدران طيش المسامير في لحمة الآجرّ،
تتسلّم أطرَ الصور واللوحات
ثمّ تمضي
بنبالة ساعي بريدٍ
لتسليمها إلى آخرين حين نموت.
***
أعمارها الأطول من أعمارنا
تجعلها مثقلةً بالذكريات
ربّما هي تتحدّث في اللّيل
مع بعضها عمّا ترى في النهار
ربّما هي تضحك
أو تتألّم
أو لا تبالي
من يدري..؟
فهي ما يتبقّى
من الشهقة البشريّة في الأرض بعد الحروب
و بعد الطوفان.
***
يحدث أن يفاجئنا جدار
كما لو كان وُلد للتوّ.
حين نزيح عنه الخزانةَ بعد أعوام
لنحجب جدارا آخر
***
يحدث أن يطلَّ علينا جدار مجهول
بين كتابين، وقد سحبنا واحدا
مُحدِثين هنالك ثغرةً في الرفوف.
قد نلتفتُ إليه مبتعدين
كما لو كان كتابا آخر منسياًّ
أو لا يسمح بالفتح.
***
الجدار الذي تسكنه نافذةٌ كبيرة
مهووسٌ بالستائر
مزاجه أشبه بامرأة
تقيس ثيابها قبالة مرآة
***
في الذاكرة جدرانٌ كثيرة
بعضها يحمل أوشامَ الألم
أو خربشات الهذيان
لا تكفّ عن زيارتنا في النوم
قادمة من سحيق الماضي،
مذ حُكم عليها أن تكون سجونا.
***
بعضُها متقشّرة
مثل جلد التماسيح في المتحف
أو مهدومةٌ إلى النصف
وفيّةً كحيوانات المنزل تبقى،
قد فشل الغيابُ في تغميسها كليّةً
داخل جعبته العميقة.
مذ كبرتْ
معنا أيّامَ الطفولة.
***
مرّةً
وأنا أمشي في زقاق
التقيت بجدار في حدود قامتي
وعلى كتفيه حشائشُ
لمسته بيدي،
كأننّي أصافحه.
كأنّني أعرفه
ذات قرية،
منحني بعض الغبارِ الرطب،
ثمّ مضى
مبتعداً مثل خاطر.
***
مرّةً
أسندتُ ظهري إلى حائطٍ من حجر
قبالة بحرٍ فأوحى
إلى جسدي أن: تنحّ
أنت تحجب عنّي الأفق
***
ثمّة جدران هشّةٌ
تخترقُها الأحاسيس
كما تخترق الإبرُ النسيج،
تغري بالقفز فوقها
بمهارة طفلٍ يركض خلف فراشة
تغري بالاحتضان بين ذراعين في لحظة ضياع،
غالبا ما يخطئ الوقتُ
فيستنبتُ من طوبها نبتةً أسفل أو أعلى.
***
من ذا يسمع بكاءَ حجر
سقط من حضن حائطه
بسبب التقدّم في العمر
سوى شاعرٍ
أو شجرة.
***
ثمّة جدران
كلّما هرمت،
اعشوشبتْ بالعواطف
***
في القرآن جدار
قلّما وقف القرّاءُ عنده،
أوكله اللهُ
بالحفاظ على رزقِ طفلين يتيمين.
***
الجدار الأوّل
إثر انفتاح العينين على العالم،
يصعب هدمُه
بمعاول النسيان.
***
ثمّة جدران أخرى
لها مزاجُ المخطوطات اللعينة
كأنّها متحدّرة من سلالات الكهوف،
تحمل عبءَ كتاباتٍ
لا مكان لها في دُور النشر،
دون أن تطالبك بالدفع،
جدرانٌ مثقبّةُ كالرئات
يتنفّس عبرها المكبوت،
مصابةٌ بالمسّ،
أو بالطحلب المختلف
عن قطيع الطبيعة في الحدائق.
***
ثمّة جدران
وُجدت ليجرّب اللبلابُ مهارته
في التسلّق
صوب نوافذ العشق.
***
ثمّة جدرانٌ
يتدفّق منها السّرد كالماء
في أرض الروايات
***
الحائط اليتيم،
الذي فقد إخوته الآخرين الثلاثة
يبقى كريم الظلّ في القيظ
***
حائطُ المبكى
قشّةٌ
يتعلّق به بشرٌ
سقطوا من عربةِ التاريخ غرقى
في سبخة الجغرافيا
***
سور الصين العظيم
خطّ قلم رصاصٍ في ورقة الطبيعة
بين فكرتين
أتعبهما الخوف
***
حائط برلين
شيّدته الايدولوجيا
وهدمه الحبّ.
***
الجدران غير المرئيّةِ صلبةٌ أكثر
كتلك التي تنكسر عليها قواريرُ القلوب
كتلك التي اسمنتُها الذّعر
كتلك التي نتّكئ عليها لحظة الضعف
فتوخزُ ظهورَنا
نتوءاتُ الغدر والإسمنت.
كتلك التي
لها ردّ فعل كلاب الحراسة
تجاه العابرين بالقرب.
كتلك التي
تحجب كلّ شيء
سوى فوّهةِ السلاح،
أو عورةِ المسكوتِ عنه.
***
ثمّةُ حيطان عالية
بمقدار ما يتحصّن خلفها من رعب
الأسلاك الشائكة والزجاج المغروس في لحم أكتافها
يضمر رعشةَ الخوف من الغد.
***
كلمّا اخشوشن حائطٌ وتطاول
كلّما أغرى رياحَ الزمن
بالإطاحة بالساكن خلفه.
***
ثمّة جدرانٌ
مصابةٌ بمرض هندسة الإكواريم
حول سمكة الحرّيّة.
***
في حقيبة كلّ غريب
حائطٌ يبحث عن سقف
علّه
يستطيع بعث إخوته الثلاثة
من تحت ركام المِحَن.
***
ثمّة جدران تلتقي
كما تلتقي أجزاء الخشّ في العشّ
بغريزة الطائر.
***
ثمّة أخرى
متنافرة
برغم الخرسانة والحديد
***
الجحيمُ
جدران لا نوافذ فيها،
الجنّة
نوافذُ تتبادل عبرها الجدران
رسائلَ حُبّ.
***
حقوق الطبع والتأليف محفوظة .