بقلم ذ محمد أسامة الفتاوي.

“أشعر بأن الحروف تجري في شرآييني أكثر من دمي ..

تراودني معركة كلمات ..
حروفي كلها في طي البهتان ..
لا قدرة لي بحرفي ..
ولا حرفي يطيق معاناتي .. ”

الفيسبوك مثل المقهى أوالحانة, يصادف أن ينقطع عنها أحد روادها، وبصدفة مماثلة سيجد هذا المنقطع أقدامَه وقد جرجرته من حيث لا يدري فيدخل المقهى، أو الحانة، ثانيةً).
الانقطاع بالمصادفة والعودة بمصادفة مثلها ,هما الوسيلة الأفضل لأي انقطاع وتواصل، وهما الوسيلة الأكثر ضماناً ليكون معها المرء حرّاً من الاستسلام للعادات ومن هيمنة هذه العادات على تنظيم حياته وتصرفاته. فيسبوك يربطنا بعادات جديدة،
مع أنه يجب على المرء أن يحافظ على حريته.
يحلو لبعضنا أن يقول إنه وجد حريته للتعبير من خلال “فيسبوك” وسواه من مواقع التواصل لكني أجد أن (الكاتب) الناشربمختلف مجالات الكتابة و النشر, قد يفرّط بالكثير من حرّيته في هذا (الفضاء الرحب).أو بكلام، أكثر اعتدالاً، فإنه يربح شيئاً ليخسر أشياءً…….
اضطراره لكتابة منشور ,تماشياً مع موجات النشر والمنشورات في فيسبوك، وربما في مواقع أخرى للتواصل الاجتماعي، هو بعضٌ من هذه الخسائر في الحرية.سيكون خاسراً سواء اتفق أم اختلف.. فمجرد الاندراج في موجة هو خسارة.
مع حريته يكون كاتب المنشور و الرأي غير ملزم بالخوض في أي غمار خصوصاً حين يكون هو غير مسؤول وغير معني بما في هذا الغمار….
يومياً في حياتنا الواقعية تمرّ عشرات الحوادث على صاحب الحساب بالموقع الاجتماعي ومجتمعه، وكان لكثير منا قبل فتح الحساب الافتراضي أن لا يقفوا عند أيٍّ منها ولا يكتبوا عنها، لكننا في وجودنا بهذه المواقع على الانترنيت بتنا نواجه ما يماثل الإلزام الذي نكون بمقتضاه مجبرين على قول شيء عن أيِّ شيء يثار.
وجودنا في” فيسبوك “بات يلزمنا في كل حين , على هذا التقليد الثقيل؛ الجميع يراد لهم أن يكونوا ذراتٍ في عواصف غبار تتكرر كل حين. ما أكثر ما نعبر عن اختناقنا ب”فيسبوك” وفي الحياة فيه! ,هذه واحدة من أسوأ حالات خسران المرء لحريته، وهي خسارة للحرية يمضي إليها المرء منا بملء حريته.
نحن نأتي بمقتضى حريّاتنا لهذا العالم لنخسر فيه جانباً من حرياتنا. أنْ تظلَّ مثلاً تعيد كتابة موقفك عن حال أو حدث معين مع كل مرة يتكرّر فيها هذا الحدث هو شكل من أشكال هدر الكلام والتعبير، في الواقع حماقات كثيرة فتتكرر فيه الأخطاء ولا ينبغي لانسان أن يُستدرَج لهذا التحامق ليمضي مع الموجات اليومية الفيسبوكية.
وفيما صار هذا العالم الاتصالي واقعاً حيّاً في حياتنا، وتجاوز كونه وجوداً افتراضياً فقد بات من غير الممكن، وليس بمقدور صاحب الحساب الافتراضي ناشرا أو وغير كاتب، تجاوز هذا الواقع الحي والاستغناء عن منافع التواصل. تجاوز العالم الاتصالي، أو الانصراف عنه، هو أيضا خسارة.نحن نختنق بفيسبوك، ونغادره أو ننقطع عنه.
بعض الانقطاع عن فيسبوك هو تعبير عملي عن الاختناق؛ الانقطاع هو خروج من عالم افتراضي للبحث عن هواء في عالم الواقع…..؛ يختنق المرء في عالم الواقع واليوميات الجارية فيه ,فيهرب منها إلى عالم افتراضي يضيق هو أيضاً بعد حين بالهارب ليعود فيهرب منه باتجاه الواقع.
فيسبوك وسواه مهم ومفيد لنا بحدود معينة حسب طبيعة كل منا.
هذه الأهمية هي بما يوفره فيسبوك من اتصال وتواصل منتجَين، مع هذا نمزح أحياناً ونستظرف الكثير مما يكتب للمزاح، وهذا لا يتعارض مع الطبيعة المنتجة للتواجد بالتواصل الاجتماعي الحي أو الافتراضي.
كلّ اتصال لن يكون إيجابياً ومنتجاً ما لم تضمن فيه حريتك وراحتك واحترام هذه الحرية وتأمين هذه الراحة.
الفيسبوك يوفّر مناسبة طيّبة للتعبير عن رأي و موقف, في مجالٍ ما ,حين نجد ضرورة لذلك وحين نجد أن هذه الضرورة ليس مجالها دفترنا أو مذكراتنا الخاصة، لكن حتى في هذا نحرص على أن يظلَّ ما نكتب وننشر مائزاً في اختيار هذه الحالات ب,حيث لا يندرج في موجة عامة ,وبحيث يكون التعبير عنها هو أيضاً غير مندرج في الصياح الجماعي الذي ينطلق كل حين في فيسبوك.
وخارج كل هذا فال”فيسبوك” هو وسيلة تواصل اجتماعي.. وهذه خاصية غير متاحة من قبل . يستطيع صاحب الحساب الافتراضي أن يطلّ بما يشاءُ من تفاصيل حياته من خلال فيسبوك، لكن هذا هو أيضاً واحد من تحديات هذه المجّانية في إظهار الحياة الخاصة إلى فضاء عام.