بعد صدور توصيات هيأة الإنصاف والمصالحة وتقرير الخمسينية، كان الكل يتطلع إلى انتقال ديمقراطي حقيقي على أرضية مضامين هذه التوصيات وهذا التقرير…
وعلى إثر ذلك، بدأ الكل يتطلع إلى مغرب جديد بنفس جديد وبلفسفة جديدة ، مغرب الحرية ومغرب القانون والمؤسسات والحقوق.
ومع بداية هذه الاشراقة الجديدة لمغرب المستقبل الذي كنا نتطلع إليه، تحّول “ضحايا” العهد القديم الذي يسمونه ب”سنوات الرصاص”، الى جلادة جدد بأسلوب جدبد وبتقنيات جديدة.
فإذا كان جلادو العهد القديم يزجون ب”ضحاياهم” (وكان عددهم محدود) في السجون وينكلون بهم، فإن جلادو العهد الجديد استنزفوا ويستنزفون خيرات البلاد وأصبحوا ينكلون بجيوب الشعب بأكمله ويعبثون بمصالحه وبمستقبله وبمؤسساته، حيث أفلسوا عن ترصد وسبق الاصرار المؤسسات العمومية ودمروها واختلسوا أموالها وعاثوا فيها فسادا وتخريبا، وبعد ذلك باعوها بثمن زهيد وقدموها على طبق من ذهب إلى الشركات الرأسمالية الدولية والبنوك الدولية.
وعندما نقوم بقراءة تأملية وتحليلة لما جرى وإجراء مقارنة علمية وسياسية لسلوكات وسيكولوجية جلادي العهد القديم وجلادي العهد الجديد…نخرج بخلاصة مفادها ان جلادي العهد القديم كانوا ينكلون بأقلية قليلة لضمان الاستقرار والعيش الكريم والخدمات الصحية وجودة التعليم للأغلبية، بينما نجد أن جلّادي العهد الجديد (وهم الذين يعتبرون انفسهم ضحايا العهد القديم)، طوروا اساليب التنكيل وادخلوا إلى قاموس هذا التنكيل تقنيات جديدة اسمها الموت البطيء، والاسترقاق المقنن وفيروس الولاءات الحزبية واصبحوا يتلذذون في التنكيل بالشعب بأكمله لكي يضمنون مصالح أقلية (مصالحهم فقط) وطحن مصالح الاغلبية أي الشعب بأكمله،علاوة على التراجعات الخطيرة التي مست عدد من المكتسبات في كافة المجالات.
وهذا النكوص المجتمعي حال دون إنجاح مسار الانتقال الديمقراطي والعدالة الانتقالية بالشكل الذي كنا نتطلع اليه جميعا.. ما يجعل كل متتبع ومراقب يطرح تساؤلا عريضا ومقلقا حول مصير مغرب الغد، وما العمل لتخطي هذا الجبل من التراكمات المعيقة للاقلاع الديمقراطي والاجتماعي ببلادنا؟ ولماذا لم تتحق العدالة الانتقالية بالشكل الذي كنا نتطلع إليه جميعا؟؟

التجارب التاريخية ذات الصلة بتطور الأنظمة السياسية وارتقاء الأمم، أثبتت علميا أنه لا يمكن لأي أمة أن تتقدم وتحقق العدالة الانتقالية ما لم تقطع مجموعة من الأشواط الضرورية ( les phases nécessaires ) من أبرزها مرحلة الدكتاتورية والاستبداد العادلين خصوصا على مستوى الامم التي لا تتمتع شعوبها بوعي سياسي واجتماعي ناضج.
فالدكتاتورية العادلة شرط أساسي لتلقين وترسيخ مبادئ الوعي السياسي ونضجه لدى عموم الشعب، على امل ان تتحول هذه المبادئ الى ثقافة قائمة بذاتها..
لذلك فبلادنا في حاجة الى استبداد عادل، والذي نعني به لا رحمة ولا تراحم مع الفاسدين والمفسدين ولا تراحم مع الظواهر الصوتية المقرفة والمشوشة على العدالة الاجتماعية، ونعني ايضا بالاستبداد العادل أنه لا مكان للاميين في مواقع المسؤولية ولا مكان لهم في الشان السياسي وتدبير الشأن العام، إذ يكون معيار الاستحقاق العلمي والكفاءات العلمية هو المعيار الوحيد لتبوء مناصب المسؤولية ولا مكان فيه للولاءات الحزبية والنقابية….
وقياسا على ذلك، يمكنني أن أجزم بأن عجلة بلادنا تتواجد في مفترق طريقين لا ثالث لهما .. خيارين إثثنين لا ثالث لهما … فإما على الدولة – أن تضحي بالمفسدين والفاسدين وتجردهم من الممتلكات والثروات التي بنوها من أموال الشعب والمال العام وتنصف ضحاياهم وتنتصر لقضايا الشعب وتؤسس لتوجه جديد يقوم على العدل والمواطنة، وهذا العمل سيجعلها تضمن استمراريتها وتمدد شعبيتها لدى عموم الشعب.
وإما ان تترك المفسدين والمتزلفين يفعلون ما يشاؤون على حساب حقوق الشعب ومستقبل مغرب الغد..وفي هذه الحالة فإن الدولة تقود نفسها بنفسها نحو السقوط والانهيار والزوال…
خلاصة القول إما أن تضحي الدولة بالمفسدين وكبار الاقطاعيين الذين بنوا اقطاعهم من المال الحرام لكي تضمن استمراريتها وتعزز صلاتها وثقتها بالشعب، وإما أن تحمي الاقطاعيين وتتجاهل مطالب الشعب، وفي هذه الحالة فإنها تغامر بوجودها…. إنها حتمية تاريخية.
لأنه لا يمكن إنجاح الاقلاع الديمقراطي ما لم يمر عبر مرحلة الاستبداد العادل الذي يحتاج الى مدة زمنية تتراوح ما بين 10 إلى 20 سنة.